الوساطة في نزاعات العمل وفق منهج شراكة جديدة
يمكن أن تنشب نزاعات في مكان العمل حول أي موضوع تقريبًا: إنهاء عمل أو تغيير شروط التوظيف، ادعاءات تحرش، ضغط زائد، تقييم أداء، شعور بعدم التقدير أو انهيار في التواصل. بالنسبة للموظف، يدور النزاع غالبًا حول الهوية، مصدر الرزق والكرامة. بالنسبة لصاحب العمل، يؤثر النزاع على الفريق، على الثقافة التنظيمية وعلى سمعة الشركة. الوساطة في نزاعات العمل وفق منهج شراكة جديدة تتيح إيقاف التصعيد، والعودة إلى الحوار والتوصل إلى حلول عملية – دون هدم مكان العمل ودون الانجرار إلى سنوات من التقاضي.
تحديد مكالمة تعريفيةلماذا تنشأ نزاعات العمل؟
علاقة العمل هي علاقة مستمرة تتداخل فيها مصالح عديدة: الأجر، الأمان الوظيفي، الحقوق الاجتماعية، فرص التقدم، حجم العمل، العلاقات بين الأشخاص والإحساس بالمعنى. عندما يختل التوازن بين هذه العوامل، يبدأ الشعور بالإحباط، انعدام العدالة وانعدام الثقة في التراكم.
قد يظهر نزاع العمل حول حدث معيّن – مثل جلسة استماع قبل الفصل، توبيخ علني أو تغيير مفاجئ في المنصب – لكن في معظم الحالات تقف خلف هذا الحدث المعيّن قصة أطول من مشاعر وإشارات لم تُعالَج في الوقت المناسب. الموظف يشعر أحيانًا أنه غير مرئي أو غير مُقدَّر، والمدير يشعر أن الموظف غير ملتزم بما يكفي، وفي هذا الفراغ تدخل المخاوف، التفسيرات والاستشارات القانونية التي تزيد حدّة المواجهة.
بالنسبة لأصحاب العمل أيضًا، تشكل نزاعات العمل مصدر قلق. فهي تضر بدافع الفريق، تركيز الإدارة، القدرة على تجنيد الموظفين والاحتفاظ بهم، وقد تسبب ضررًا في السمعة الخارجية. في مثل هذه الحالات، لا تقتصر الأسئلة على ما هو "قانوني أو غير قانوني"، بل تشمل أيضًا كيفية التعامل مع الأزمة بشكل مسؤول، محترم وعملي.
متى يكون من المناسب اختيار الوساطة في نزاعات العمل؟
يمكن اللجوء إلى الوساطة في مرحلة مبكرة نسبيًا، عندما يتضح أن النزاع في حالة تصعيد ولكن قبل تبادل الرسائل الرسمية وقبل إشراك جميع الجهات الممكنة. في كثير من الحالات، تُمكّن الوساطة المبكرة من إنقاذ علاقة العمل، تحسين التواصل وتنظيم شروط التوظيف بطريقة شفافة وعادلة.
تناسب الوساطة أيضًا المراحل المتقدّمة، مثل حالة تمثيل الموظف من قبل محام أو عندما يفكّر صاحب العمل في رفع دعوى ضد الموظف. حتى في هذه الحالات، يمكن التوقف، وتحويل الطاقة من مواجهة أحادية الجانب إلى مساحة مشتركة يتم فيها فحص ما يمكن إصلاحه، وما هي الطريقة الأكثر احترامًا لإنهاء علاقة العمل إذا لم يعد من الممكن الاستمرار فيها.
أحيانًا تتم الوساطة حتى قبل تعريف الوضع رسميًا كـ "نزاع". قد يلاحظ مدير الموارد البشرية أو رئيس القسم أو لجنة العمال نقاط احتكاك متكررة، ويطلبون عملية وساطة بين الإدارة والطاقم، بين قسمين أو بين زملاء معيّنين. في هذه الحالات، تصبح الوساطة أداة لإعادة بناء الثقة وخلق ثقافة تواصل أكثر صحة داخل المؤسسة.
منهج شراكة جديدة في نزاعات العمل
في منهج شراكة جديدة، لا تركز الوساطة في نزاعات العمل فقط على سؤال من "على حق" ومن "على خطأ"، بل على كيفية رغبة الأطراف في أن تبدو علاقة العمل من الآن فصاعدًا. الفرضية الأساسية هي أن للموظف ولصاحب العمل مصلحة عميقة في إنهاء هذا الفصل بطريقة تتيح لهما التقدم – معًا أو كلٌّ على حدة – مع قدر أقل من الغضب وقدر أكبر من الوضوح.
يبدأ المسار بتحديد أهداف مستقبلية. يُدعى الموظف لشرح ما الذي يجب أن يحدث كي يشعر بأن العدالة قد أُنجزت، ويُدعى صاحب العمل لتوضيح ما الذي يحتاجه كي يستطيع الوقوف خلف أي اتفاق مع الحفاظ على مصلحة المنظمة. بدل التركيز فقط على الماضي، يدعو منهج شراكة جديدة الأطراف إلى وصف كيف يرغبون أن تبدو الأشهر الثلاثة القادمة، السنة القادمة أو نهاية العلاقة المهنية.
إلى جانب هذه الأهداف، يُمنح المجال كاملًا للمشاعر: الإحساس بالتمييز، الغضب، الإهانة، خيبة الأمل والإرهاق. هذه المشاعر ليست "عائقًا" في طريق الاتفاق، بل جزء من المادة التي نعمل معها، بشرط ترجمتها إلى لغة احتياجات، طلبات وحدود، وليس إلى قتال شخصي.
كيف تبدو عملية الوساطة في نزاعات العمل عمليًا؟
في منهج شراكة جديدة، تبدأ عملية الوساطة في نزاعات العمل دائمًا بجلسة تعريف تُعقد حضوريًا أو عبر الفيديو مع كلا الطرفين معًا. هذه جلسة قصيرة نسبيًا، دون مقابل، لا يدخل فيها الوسيط تقريبًا إلى جوهر النزاع. يتركز اللقاء في عرض المنهج، شرح مراحل العملية، قواعد السرية، كيفية اتخاذ القرارات ودور كل شخص في الغرفة. الهدف في هذه المرحلة هو أن يتعرّف الطرفان على الوسيط، يفهما كيفية إدارة العملية ويتأكدا من أن هذا يبدو لهما فضاءً آمنًا ومناسبًا.
في هذه المرحلة، لا يلتقي الوسيط بأي من الطرفين على انفراد، ولا يطلب من أي طرف "أن يحكي القصة كاملة" بشكل منفصل. التركيز هنا على بناء قاعدة مشتركة من الثقة والقواعد، انطلاقًا من الفكرة بأن العملية تبدأ فقط عندما يدخلها الطرفان معًا، وباختيار واعٍ.
إذا شعر الطرفان في نهاية جلسة التعريف بأن لديهما ثقة بالوسيط وبالعملية، يتلقّيان شرحًا حول اتفاق فتح عملية الوساطة. فقط بعد توقيع الطرفين على هذا الاتفاق، يبدأ المرحلة الجوهرية التي يتم فيها الدخول إلى ما حدث فعليًا.
في جلسات الوساطة نفسها – حضوريًا أو أونلاين – يجلس الموظف وممثّل صاحب العمل مع الوسيط، ويعرض كل طرف وجهة نظره: ما الذي حدث من منظوره، كيف خاض التجربة، ما الذي كان متوقّعًا ولم يحدث، وماذا يطلب اليوم. يساعد الوسيط في الحفاظ على حوار محترم ومنظّم، واستبدال اللغة الاتهامية بلغة الوقائع والاحتياجات والأهداف. فقط في هذه المرحلة، وليس قبلها، يتم "فتح" النزاع بعمق.
في المراحل التالية، يمكن عقد لقاءات منفصلة مع كل طرف، ولكن فقط بعد بدء العملية رسميًا، وبهدف تعميق فهم الحدود والمخاوف والاحتياجات. الهدف ليس إبرام اتفاقات "خلف الكواليس"، بل خلق مساحة لمعالجة المشاعر وتوضيح ما هو مهم إعادته إلى الغرفة المشتركة.
بعد تكوين صورة أوسع، يبدأ الأطراف والوسيط في فحص إمكانيات الحل. في نزاعات العمل، قد تشمل النتائج الاستمرار في العمل بشروط جديدة، تغيير المنصب أو هيكلية العمل، مرافقة مهنية، إنهاء علاقة العمل باتفاق، تحديد المدفوعات والحقوق، رسالة توصية أو أي ترتيب آخر يلبي الاحتياجات التي ظهرت. تُصاغ الاتفاقات بشكل واضح ودقيق، وعند الحاجة يمكن منحها قوة قانونية ملائمة.
فوائد الوساطة للموظفين وأصحاب العمل
توفّر الوساطة في نزاعات العمل الوقت والمال والضغط النفسي. بدل إهدار الطاقة على إجراءات رسمية طويلة، يمكن للأطراف استثمارها في بناء حل والتقدّم إلى الأمام. غالبًا ما تكون الوساطة أقصر بكثير من التقاضي، وتتيح درجة عالية من السيطرة على المشاركين، الزمان، المكان وموضوع النقاش.
بالنسبة للموظفين، توفّر الوساطة مساحة يكونون فيها أكثر من مجرد "ملف"، بل أشخاصًا كاملي الحقوق مع قصة واحتياجات وتطلعات. يمكنهم اكتساب وضوح حول الخيارات المتاحة لهم، التأثير على كيفية استمرار أو إنهاء علاقة العمل، ومعرفة أنهم لم يقطعوا العلاقة دون محاولة الحوار أولًا.
بالنسبة لأصحاب العمل، توفّر الوساطة طريقة للتعامل مع النزاع بشكل مسؤول ومحترم، الحفاظ على ثقافة تنظيمية صحية، تقليل الضرر في السمعة والتعلّم من العملية عن أوجه قصور محتملة في الإدارة، التواصل أو السياسة. كثيرًا ما يكون هذا الإدراك ذا قيمة كبيرة في منع نزاعات مستقبلية وتحسين المناخ في مكان العمل.
إلى جانب المزايا العملية، تعزّز الوساطة في نزاعات العمل الرسالة التي تبعث بها المنظمة لموظفيها: يمكن التحدّث عن الصعوبات والنزاعات والتعامل معها بجدية، دون خوف تلقائي من العقاب أو الوصم. هذه الرسالة تعزّز الالتزام، الانتماء والولاء.
خلاصة: طريقة مسؤولة للتعامل مع النزاع في مكان العمل
لا يجب أن ينتهي نزاع العمل بالقطيعة أو التشهير أو معركة قضائية طويلة. الوساطة في نزاعات العمل، وخاصة وفق منهج شراكة جديدة، توفّر طريقًا آخر: التوقف، الحوار، فهم ما يهمّ كل طرف فعلًا وبناء حل يحترم الإنسان، القانون والمنظمة.
إذا كنتم في خضم نزاع عمل – كموظفين، كأصحاب عمل، كلجنة عمال أو كمسؤولي موارد بشرية – يمكن أن تكون الوساطة الأداة التي تساعدكم على فك العقدة، دعم اتخاذ قرارات واضحة وتمكين كل الأطراف من التقدّم.
يمكن إجراء عملية الوساطة في مكاتبنا أو بالكامل أونلاين، وفق احتياجاتكم وجداول عمل المنظمة.
تحديد مكالمة تعريفية واستشارة أولية